نص الكلمة المتلفزة لسماحة السيد الحكيم، في فعالية منظمة «إنترفيث الدولية» المعنية بمكافحة الإرهاب وتعزيز جهود مواجهة التطرف.
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد بيرو دياوارا، الأمين العام لمنظمة إنترفيث الدولية المحترم، السيدات والسادة الحضور الكرام، تحية ايمانية طيبة.
نحييكم من بغداد، ونشكر منظمة إنترفيث الدولية على دعوتها الكريمة. ونستذكر باعتزاز زيارتنا إلى جنيف عام 2007 وما رافقها من تعاون مشترك في سبيل الحوار بين الأديان والثقافات. ويسعدنا أن نشارككم اليوم، على هامش أعمال مجلس حقوق الإنسان، وقفة الوفاء هذه لضحايا الإرهاب.
نتحدث إليكم من العراق؛ البلد الذي واجه الإرهاب بأبشع صوره، ودفع في مواجهته أغلى الأثمان. ونتحدث إليكم وقد قدّمت أسرتنا (أسرة آل الحكيم) قوافل من الشهداء، وفي طليعتهم شهيد المحراب آية الله السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره)، الذي اغتالته يد الإرهاب مع العشرات من المصلين عند مرقد الإمام علي (عليه السلام) في النجف الأشرف عام 2003. فحديثنا عن الضحايا ليس حديث المراقب من بعيد، بل حديث من عاش الجرح وعرف معناه.
واسمحوا لنا أن نضع بين أيديكم ثلاث رسائل:
الرسالة الأولى: إن الإرهاب لا دين له ولا مذهب ولا قومية ولا وطن. ففي العراق لم يستثنِ الإرهاب أحدًا؛ لا مسلمًا ولا مسيحيًا ولا إيزيديًا ولا صابئيًا، ولا شيعيًا ولا سنيًا، ولا عربيًا ولا كرديًا ولا تركمانيًا ولا شبكيًا. من سبايكر إلى سنجار، ومن الكرادة إلى الموصل ومن زاخو إلى الفاو ، كان الدم العراقي واحدًا، وكان الوجع واحدًا. ومن يُلصق الإرهاب بدينٍ أو بشعب، يمنح الإرهابيين شرعية تمثيل ذلك الدين وذلك الشعب؛ وهي الشرعية التي عجزوا عن انتزاعها بالسلاح.
الرسالة الثانية: إن الضحية ليست رقمًا في تقرير، بل إنسانٌ له اسم وحلم وأسرة تنتظره. وحقوق الضحايا أربعة لا تتجزأ: الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار ومن هنا تأتي أهمية التوثيق؛ ان نحفظ شهادات الناجين، وأسماء الشهداء، ووقائع الجرائم، وآثارها، لأن توثيق الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو العدالة، ولأن النسيان قد يمنح الجريمة فرصة ثانية. إننا نحتاج الى ذاكرة وطنية تحفظ ما حدث لا لتورث الأجيال الحقد، وإنما لتورثها الوعي؛ فنتذكر لكي لا نكرر، ونوثق لكي لا تزور الحقيقة، وننصف لكي لا يتحول الألم الى شعور دائم بالخذلان.
وقد خطا العراق خطوات في هذا الطريق، فشرّع قوانين لرعاية ذوي الشهداء وتعويض المتضررين من العمليات الإرهابية، وأقرّ قانون الناجيات الإيزيديات وكان لمؤسسة الحكيم الدولية الفخر في أن تساهم بصورة جادة في تشريع القوانين وتقديم الدعم المادي والمعنوي للضحايا وطرح مظلوميتهم في الرأي العام الدولي وفي أروقة المنظمات الدولية.وتشجيع الحكومة العراقية للقيام بواجباتها في تعويض المتضررين. ونقولها بصراحة: إن الطريق ما زال طويلًا. فالكشف عن مصير مفقودي جرائم داعش، وفتح المقابر الجماعية، والتأهيل النفسي للناجين والناجيات، وعودة النازحين إلى ديارهم، وحفظ ذاكرة الضحايا من النسيان، أماناتٌ في أعناقنا جميعًا لا تسقط بالتقادم.
الرسالة الثالثة: إن ضمان عدم التكرار مسؤولية مشتركة، وطنية ودولية. لقد انتصر العراقيون على داعش بفتوى المرجعية الدينية العليا، وبتضحيات قواتهم المسلحة بكل صنوفها وتشكيلاتها، وبوحدة مكوناتهم، وبمساندة أصدقائهم.
لكن النصر العسكري وحده لا يكفي؛ فالفكر المتطرف لا يُهزم إلا بفكرٍ معتدل، والكراهية لا تُهزم إلا بالحوار، والتهميش لا يُعالج إلا بالعدالة والمواطنة والتنمية. ومكافحة الإرهاب التي تنتهك حقوق الإنسان تزرع بذور إرهابٍ جديد؛ فالمطلوب هو العدالة لا الانتقام.
ولقد قاتل العراقيون الإرهاب نيابةً عن العالم أجمع، ومن حقهم على العالم أن يقف معهم في معركة التعافي كما وقف معهم في معركة التحرير. ومن هنا ندعو كل دولة إلى أن تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية تجاه مواطنيها الذين التحقوا بالتنظيمات الإرهابية. وندعو إلى التعاون مع القضاء العراقي في تبادل الأدلة وملاحقة الجناة، وإلى تجفيف منابع تمويل الإرهاب ومنابر خطابه. ذلك هو المعنى العملي لدعم الاستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. ولا يكتمل هذا الجهد إلا بشراكة حقيقية مع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية؛ فهذه المنظمات والمؤسسات هي الأقرب إلى الضحايا والأقدر على مداواة جراحهم.
الإرهاب واحد، والإنسان واحد، والعدالة يجب ان تكون واحدة. وإن التعاون الإقليمي والدولي، وتبادل الخبرات والمعلومات، وتجفيف منابع الإرهاب الفكرية والمالية، وحماية المجتمعات من التطرف، ودعم الدول التي خاضت هذه المواجهة، كلها مسؤوليات مشتركة.
ختامًا: تحية إجلال لكل أمٍّ فقدت ولدها فصبرت، ولكل ناجيةٍ حوّلت ألمها إلى صوتٍ وشهادة حق، ولكل يتيمٍ كبر وهو يحمل صورة أبيه. هؤلاء هم الشهود على أن إرادة الحياة أقوى من ثقافة الموت. وسيبقى العراق، بتنوعه واعتداله، جسرًا للحوار والتلاقي، لا ساحةً للصراع والتنازع.
الرحمة والخلود للشهداء، والشفاء للجرحى، وكشف المصير لكل مفقود، والعودة الكريمة لكل نازح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عمار الحكيم
رئيس تيار الحكمة الوطني
رئيس منظمة الحكيم